قصة رعب ورد المقابر

جلست ليلا في شرفة بيتي تحت قطرات الندى المنبعث من أغصان شجرة الزيزفون واختلطت تلك القطرات مع دموع عيني الحارقة لوجنتيّ ، إنها ليلة عيد ميلاد زوجتي التي توفيت العام الماضي في حادث سيارة مرعب ،

وضعت صورة زوجتي أمامي على المنضدة ، وشرعت في التمعن في ملامحها الفاتنة في وقت كنت أفتح فيه نافذة تطل على الماضي القريب حينما كنت أتقاسم معها الرغيف والبرتقالة ونتسابق سويا كي نفتح الباب لابنتنا شيماء ، وكلما جففت دموع عيني ، تتساقط دموع أخرى وكأن عينيّ تحولت إلى بحيرتين عميقتين طفت مياههما على الشاطئ ..

أغلقت تلك النافذة حينما شعرت بحركة طفيفة بين أغصان الشجرة ، فهل هي النسمات التي تداعب الأغصان وتهزها ؟لا ..هناك وجه يتوارى خلف الأوراق ، وبدأ الوجه يبرق وكأن هناك أحد يرسمه بلون أبيض مصحوب بشيء من اللمعان ، إنه وجه زوجتي آمال ، أجل هو والآن ظهرت الأكتاف ، وشعرها المصنوع من خيوط ذهبية مشعة ، قفزت زوجتي إلى أرضية الشرفة دون أن تصدر أقدامها أي صوت ، ثم دنت مني وقد كانت يدها الدافئة خير مجفف لدموعي ، والآن أمسكت يدي وابتسمت بوجهي ابتسامة عريضة حتى بدت شفتاها كثمرة من الفراولة وانقسمت لنصفين تلك الشفاه التي تتوارى خلفها أسنان تشبه لآلئ الفراعنة العظام ثم قالت لي هامسة : ما تبكيش عليّ أرجوك ، احنا هنتقابل يوم الحشر العظيم ما تبكيش .. دا النهاردة عيد ميلادي يا عزيز ..

دارت آمال حول نفسها برشاقة ، ولفت ذراعها حول رقبتي في وقت سمعت فيه موسيقى بعيدة ، موسيقى هادئة وكأن من يعزفها مجموعة من الولدان المخلدين وظلت تتراقص معي بين أركان الشرفة ، وفجأة تراجعت وهي تشير بيدها إشارة وداعية ، ثم قفزت فوق الشجرة مجددا ، واختفت كما تختفي عصفورة خضراء وسط أغصان كثيفة .

ياااااااه إنني أحلم .أحلم ..لا شك في ذلك حيث تحكمت بدموع عيني هذه المرة بسدود جفني حينما شاهدت ابنتي شيماء تقترب من الشرفة قبل أن تنظر لي نظرة حزينة وتقول لي : الليلة عيد ميلاد المرحومة ماما ..ياريت تجي معايا يا بابا أحط على قبرها بوكيه ورد ..ابتسمت بوجهها ابتسامة كاذبة ، ابتسامة مزيفة ترتدي قناع السعادة وقلت لها : بكرى يا حبيبتي ..هانروح نزورها بقبرها ..الدنيا دلوقت ليل ومش عايزين نضايق حراس المقابر ..دقت شيماء ابنتي بقدمها على الأرض بشيء من الغضب وقالت : لا يا بابا ..مش قادرة أصبر لبكرى .. أرجوك .أمام إلحاح ابنتي ، رحت أنتقي بصحبتها مجموعة من ورود الحديقة ، واتجهت صوب المقابر ،

وأمام الشارع نظرت شيماء لي نظرة عميقة ، نظرة باكية أبكتني أنا أيضا وكأني أنظر لقرص الشمسثم قالت : خليك أنت يا بابا يا حبيبي ..أنا هاروح لوحدي ..وقفت في بداية الشارع دون أن أقوى على الحركة وكأني ذبابة سقطت في طبق من عسل ، وتقدمت شيماء وبيدها بوكيه الورد حتى توارت في رحم الظلام ، مرت دقيقة وأخرى ، وشيماء لم تعُدْ لم تعُدْ علا صوتي : يلا يا شيماء بقى ..تعالي يا حبيبتي علشان نروح .لم تجب شيماء ، لم تجب ، هرولت داخل الشارع المسدود من نهايته وكأن شيماء تبخرت ولم يعد لها وجود ..
لحظات من الرعب وانا اقف بين المقابر واتذكر قصص الرعب التي كنت أقرأ عنها و الآن أنا اعيش قصة رعب مؤلمة

طرقت على باب مقبرة زوجتي وصحت : رجعيلي البنت يا آمال ..أرجوكي رجعيلي البنت دي من ريحتك رجعيهالي يا آمال ..ولم أتوقف عن الطرقات حتى سمعت صوتا جاء من فوق المقبرة المقابلة لمقبرة زوجتي يقول : أنت يا عم أنت …إيه الإزعاج إل أنت عامله دا ؟
قلت بصوت متقطع : بنتي شيماء دخلت هنا وما طلعتش .
أخرج هذا الرجل الغريب ورقة كبيرة من جيبه وقال : هي اسمها شيماء عزيز السيسي؟
قلت : أيوة قال الرجل الغامض : خلاص إحنا اعتبرناها من الأموات ..واسمها اتسجل هنا أهو ..يلا بقى امشي من هنا ..بدل ما نسجل اسمك أنت كمان .
صحت : أنا مش خارج إلا ومعايا بنتيييييييييييييييييييييييي ..قفز الرجل من فوق المقبرة ، ولطمني على ظهري ، وقبل أن أسكت قال: أنا لولا مقدر حالتك ..ماكنتش خليتك تخرج من هنا تاني .
ثم سقطت في غيبوبة طويلة ، ولم أستفق إلا بعد أن رمت الشمس أشعتها فوق جدران المقابر ، حينها وجدت رأسي مستندة على صدر أختي داليا لذا قلت بإعياء : شيماء بنتي دخلت هنا يا داليا وما خرجتش نظرت أختي لي نظرة مشفقة ثم صاحت وهي تحتضنني وقالت : فوق بقى حرام عليك ..امتى هاتصدق إن بنتك ماتت مع مراتك في نفس الحادثة ..فاهم شيماء بنتك ماتت مع أمها في نفس الحادثة…تمت ..

تابعنا و تفاعل معنا:
ما هو شعورك؟
+1
0
+1
0
+1
2
+1
0
+1
1
+1
0
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments