رواية انتحار ميت ج2 | هبة الحكيم

200940873 158492276267627 3361004730179703440 n
رواية انتحار ميت ج2 | هبة الحكيم

رواية انتحار ميت ج2 | هبة الحكيم

طُرِق الباب ليوقظه من حديثه الداخلي، فإذا به زوج أخته نهال الدكتور يوسف “استشاري المخ والأعصاب”، رحب به أحمد ترحيباً شديداً، وبعد أن قبَّل رأس والدة أحمد سأل عن الغالية مباشرة “أقصد نهال “، هكذا كان يناديها دوماً: _ أرى أنه من المفضل أن تقول نهال، فهناك واحدة مجنونة هنا تتملكها الغيرة تدعى عبير! _ هكذا! أنا مجنونة يا أحمد! جيد.. وعندما يأتي خطيبي محسن سأدعه يقتص لي. _ هكذا؟ جيد، وأنا لن ألقبك بالمجنونة إلا أمام خطيبك محسن هذا، وأنا متيقن أنه سيسخر هو الآخر منكِ مثلي، أليس ذلك؟! ابتسمت عبير ابتسامة خفيفة تملؤها الحسرة التي حاولت اخفاءَها، وغربت سريعا من وجوه الحاضرين مفتعلةً ترتيب باقي المائدة.. تسهب نهال في سؤال يوسف عن كيف أمضى يومه في العمل، وكيف حُلَّت المشكلة التي كانت تواجهه، فيطمئنها بأن كلَّ شيء أصبح جيداً ، وأكدت نهال له بأن أكثر ما يؤلمها هو غيابه عنها، ليفاجئهم صوت أحمد: _هيا فقد تملكنا الجوع، دقيقة واحدة أخرى وسأَقوم بالتهام يد عبير. _ انتظر أيها المفجوع؛ فقد كنت أطمئن على أحوال زوجي فحسب. . فقبَّل يوسف رأس نهال ويدها كعادته، وقال: _ فليحفظكِ الله لي، ولا أُحرم يوماً من سؤالك واهتمامكِ. _ وليحفظكَ اللهُ لي أيضاً. _ ألم أخبركم من قبل بأن مثل تلك الأمور تحدث فقط في بيوتكم، وليس هكذا أمام الجميع؟! _ هل تخافين علينا من الحسد يا حماتي؟!

_ لا.. ولكن هذا لا يجوز هكذا أمام الجميع.. ألا يوجد لديكم حياء؟! _ حياء! ما هذا يا أمي؟! _هيا، فالطعام جاهز. قامت عبير بالنداء عليهم بصوت عالٍ خلت منه ملامحُ الشقاوة؛ لغياب محسن كعادته بعدما وعدها بالحضور.. جلس الجميع على طاولة الطعام.. وهنا بدأت والدة أحمد في عرض طلبها المعروف، وهو أن يسرد كل فرد منهم ما حدث في يومه بالتفصيل، وبدأت بسؤال نهال عن مشكلة زوجها، فردت عليها الأخيرة باقتضاب: _ لا شيء يا أمي، مجرد إشكال بسيط، واستطاع يوسف السيطرة علية، لا تقلقي. ثم ابتسمت نهال هروباً من الموقف، وانشغلت بيوسف وانشغل يوسف بها، وسط نظرات الأم التي تنم عن عدم الرضا.. عبير تارة تنظر وتبتسم لحب نهال ويوسف، وتارة تصمت، تحيط بناظريها المحيطين، ولا يحيطها أحد بناظريه.. ينظر لهم أحمد، ويسأل نفسه متى أتى هذا الحب يا نهال؟! ألستُ أنا مَن كان يلحُّ عليكِ فى إعطاء يوسف مجرد فرصة للتعارف، عندما أبلغني برغبته في الحديث معكِ ولم يتمكن؟ فمتى تعلم فن الكلام؟ ألم تكن رغبتك في الزواج شبه منعدمه، ماذا قال لك بعد أول تعارف معه جعلكِ بعدها توافقين، ألم تكن مجرد خطوبة تقليديه؟ فمتى أتى هذا الحب؟! قاطع فكره صوت والدته، وهى تقول : _ولكن أنت عزيز والدتك، ستخبرني بكل شيء، ولن تفعل مثل هذه الخبيثة. _لا يا غاليتي؛ فأنا لا أستطيع إخفاء شيء عنكِ، وعموما لا يوجد سر من الأساس. _وحتى لو كان هناك سر، فهل ستخفيه عنى؟ ثم اتبعت والدة أحمد ذلك بنظرة يفهمها هو جيداً، وأشفقت عليه منها نهال..

يسرد أم يتيه بخياله، كان هذا حاله وهو يقصُّ تفاصيل يومه بإسهاب، فتلوح أمامه بكل ما قالت، يصعب عليه فهم ذلك المزيج المجسد في فتاة صادفها اليوم، ينظر لنهال ويوسف ويشاهد وصلة الحب القائمة بينهم فيبتسم، ثم يخجل مما يفعلان فيلوم نفسه على خجلها، ثم يلوم نهال ويوسف علي جرأتهم، ثم يتذكرها ثانية؛ ذلك المزيج المجسد في فتاة صادفها اليوم ويتيه من جديد.. وفجأة قاطعته والدته قائلة: _ فلتكمل حديثك يا أحمد، تقول أن هناك صحفية فعلت معك موقفاً غريباً. _ لا يا أمي، ففد كانت.. وقبل أن يكمل أحمد كلامه، نظرت له نهال نظرة تحمل شارةً ما، فصمت فجأة، ثم أكمل حديثه قائلاً: _ هي مجرد صحفية، يبدو أنها حديثة العمل، كادت أن تحدث بعض البعثرة في أعمالي، وبختها، وانتهى الأمر. فابتسمت نهال ابتسامة خبيثة؛ لأنه قد فهم مغزى شارتها أخيراً، فقلما ما كان يفهم مثل تلك الإشارات والتلميحات من نهال.. ولكن لماذا؟ ما الذى يجعل نهال دوما تتعمد أن تخفى أشياءً خاصة عن أمي؟ كم كنت أتمنى أن أكون ذرة صغيرة؛ لأتمكن من أن أدلفُ إلي رأسكِ يا نهال؛ لأعلم ما تحتويه دون علم منكِ.. هذه هي المرة الأولى التي أُخفي فيها شيئاً عن أمي.. يبدو أن أمي استشعرت ذلك، واستشعرت أيضا أنه ربما كانت نهال هي السبب، وفجأة وجدت أمي تقول لها: _ماذا حدث يا نهال؟ أأصبحتِ تعطين لأحمد نصائح عن عمله؟! _ لا، ولكن فقط نتسلى بالحوار، فلى بعض الاهتمامات بمجال القراءة، لذا أظن أنى أتفهم طريقة تفكير الصحفيين، وكل مَن يكتب. فقالت الأم ساخرة: _هل تودين أن اذكرك بملف دراستك، وما يحويه؟ _ انتهى الأمر يا أمي؛ فقد صرتُ طبيبة. _يبدو أنها تتناسى أنّى مَن قدمت أوراقها بيدي في الجامعة الخاصة، ولولا وصية أبى -رحمه الله- أن تلتحق بكلية الطب، وأنا ألتحق بالهندسة كنا قذفنا بها في أي كلية، وكان من الممكن أن نجدها تسمح عربات الآن. الكل كان يضحك حتى نهال إلا هو، كان يكتفي بالابتسام، حتى الابتسام كان مجاملة، لماذا لا يشاركنا الفكاهة؟ غريب يوسف هذا ربما حقاً لدية مشكله كبيرة في العمل. _عبير.. أحضري لنا مشروبا ساخنا أنا ويوسف في الشرفة.. عبير.. عبير تُحرك شوكتها بحركات دائرية وعيون لاهية عن كل ما يدور متظاهرةً أنها تتذوق الطعام، وإن تذوقته فهي لا تشعر بمذاقه مثلما لا يشعر بوجودها أحد.. _عبير يبدو أنها لم تنته من تناول طعامها بعد، سأخضر أنا المشروب الساخن. _تمام، أحضريه لنا وبسرعة يا نهال. _ ما الأمر يا أحمد، هل هناك أمر ما؟ _الأمر أمرك أنتَ يا يوسف، ماذا بكَ؟ يبدو أن هناك ما أغضبك. _وماذا سيغضبني؟ وأنا مع صحبتكم الجميلة. _ لن أتركك حتى أعلم ما بكَ. _ نهال يا أحمد أصبحت طبيبة وناجحة بفضل الله، أنا عانيت حتى غرست بذور الثقة فيها مجدداً، أعلم أنك أخوها وحبها يملأ قلبك، ولكن.. أعلم ربما ستسخر من كلامي، الحقيقة أنى شعرت بالاختناق عندما وجدت الجميع يجعل منها مُزحة؛ أنا لا أرغب فى أن تعود فتتأثر بأي ذكريات فشل أو انتقاص مرة أخرى. _أصارت طفلتك المدللة؟!
…الجزء الثالث من الرابط التالي…

انتحار ميت الجزء الثالث

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *