رواية انتحار ميت ج3 | هبة الحكيم

200940873 158492276267627 3361004730179703440 n

رواية انتحار ميت الجزء 3 للكاتبة هبة الحكيم


*يمكنك أيضا قراءة الجزء الأول من الرواية*

تأخر الإنجاب هو ما جعلك تراها ابنتك، أنا لا أعلم مَن منكم السبب في تأخر الإنجاب؛ لأننا لا نعرف لكم سراً.. ولكن كل ذلك لا يهم طالما أختي سعيدة معكَ، حتى ولو وصف الجميع يوسف بالمجنون. فى الصباح الباكر ذهب أحمد إلى مقر عمله الجديد متنازلاً عن كثير من كبرياء الأمس، تفقَّد الموجودين ولاحظ غياب الصحفية المشاغبة الهادئة فى نفس الوقت.. فقرر أن يسأل عنها بطريقة لا تلفت الأنظار: _من فضلك أين الأستاذة رئيسة المكتب التي كانت تجلس هنا؟ كنت أحتاج للأخذ برأيها في موضوع متعلق بالتصميمات. _الباشمهندس أحمد، مرحباً، ولكنك أكيد تقصد رئيس المكتب الأستاذ عادل. _لا أنا أقصد الأستاذة التي كانت جالسة هنا. -لو كنتّ تقصد رضوى فهي لم تأتِ بعد، وهى ليست بمديرة المكتب، وها هو الأستاذ عادل حضر. اضطر أحمد إلى أن يختلق موضوعا ليتحدث فيه مع الأستاذ عادل الذي استقبله في مكتبه، وسرعان ما سمعا بالخارج ارتفاع صوت الموظفين بالضحك والكلام، فقال الأستاذ عادل: _ من المؤكد أن رضوى حضرت. فابتسم أحمد في سره، وحاول إنهاء الحوار بسرعة، وبعدها استأذن عادل، وخرج من المكتب، ومن الغريب أنه ذهب مباشرة إلى مكتب رضوى، مما جعل باقي الصحفيين يتطلعون له في دهشة.. _أستاذه رضوى.. كيف حالك؟

_أهلا.. تحت أمرك. _سألت عنكِ في الصباح، فعلمت أنكِ لم تحضري بعد. _ بما أنكَ صحفي جديد معنا فمن المؤكد أنكَ وقعت في الفخ، وظننتَ أنني المديرة، و.. قاطعها أحمد قائلا: لا.. أنا لست صحفيا. _ إذاً فمَن تكون؟ قالتها ببعض الضيق، ولكن مع محاولة الاحتفاظ بالهدوء والابتسام.. _أنا أحمد والجميع تعرفوا عليَّ في الصباح، كيف أنكِ لم تتذكريني؟! فنظرت له رضوى نظرة واحدة، وتركت جلستها، ووقفت ثم انطلقت قائلة: _مَن أحمد؟! كائن فضائي، مخلوق من كوكب آخر.. ولك أن تتخيل أنك داخل فيلم أجنبي من الأفلام التي لديها القدرة أن تحول البريئة الهادئة سنو وايت فى لحظة إلى الرجل الأخضر أو دراكولا مصاص الدماء.. تلاشت ابتسامة الثقة التي كانت تملأ وجه أحمد، وعندما لم يجد أحدا ينقذ ماء وجهه، أو ينتشله من بين أنياب رضوى لم يجد مفراً من إكمال كلامه، فقال بكبرياء: __أنا الباشمهندس أحمد، أتيت إلى هنا بالأمس. _ أممم.. نعم نعم تذكرت، خيرا.. هل من مساعدة أتمكن من تقديمها؟ _لا شيء، ولكنى حدثت نفسي بالأمس، وتطرق إلى ذهني، أنكِ ربما أُصبتِ ببعض الإحراج من جراء حديثي معكِ، وربما تكوني قد لجأتِ للبكاء بعدها. نظرت له رضوى في ذهول وقد رفعت أحد حاجبيها وكأنها تقف أمام مختل، وهي تردد: _ماذا؟! مَن؟.. أنا؟! ثم عادت سريعا إلى هدوئها السابق وكأن المياه انقطعت فجأة عن ماسورة مياه متفجرة، وهتفت باقتضاب، وهي تضع عينيها وسط الأوراق: _ على كل حال، شكراً.. نظر أحمد فوجد الجميع يعود لعمله بشكل عادٍ بما فيهم رضوى، فتركها وبداخله شعور لم يعرفه من قبل.. شعور مَن سقط من فوق عرشه، إنه عادى.. لا أحد يهتم لانزعاجه.. مَن تجرَّأ وألحق كل هذا بي؟ عاد أحمد إلى المنزل قبل موعد عودته المعتاد، فلم يجد أحد هناك.. وبداخل حجرته راح يفكر في طريقه يستعيد بها عرشه المفقود، وقد يتدخل القدر أحيانا ليسقط الشيطان عن عرشه عندما يعلو الرأس، ويمتطى الإنسان.. ولم يشعر إلا بنهال تقف خلفه تهتف: -أحمد.. ما بكَ؟ لقد طرقت الباب كثيرا دون أن تنتبه! بشرود تطلع أحمد إلى أخته التي اعتادت أن تأتي دوما لمساعدة أمها؛ فعبير وحدها لا يمكن الاعتماد عليها.. هتف أحمد وعلى شفتيه ابتسامة شاحبة: _كان الله في عونك يا يوسف. _وماذا في الأمر؟ ألن تفعل مثله في يوم من الأيام؟ وعلى أية حال دعك من يوسف، وأخبرني، ما بكَ؟ قصَّ عليها كل ما حدث بينه وبين رضوى، فما كان منها إلا أن أطلقت ضحكة عالية، وأكدت له أن الأمر برمته لا يستدعى كل هذا الضيق، وحاولت إقناعه أن كل ما هناك أن رضوى تتمتع بخفة ظل لا أكثر.. استعاد أحمد بعضا من هدوئه، ولكن هل من الممكن أن يعترف الشيطان بهزيمته بتلك البساطة؟! فوجِئا بالأم أمامهما، وقد التقطت أذناها بعض الكلمات، ولم تعجبها وجهة نظر ابنتها، ولا البساطة التي رأت بها الموضوع، وأكدت لها أن أحمد لا يمكن أن يسكت على إهانة تعرض لها، وأنه يختلف عن زوجها يوسف، وفجأة نطقت نهال: وماذا عن يوسف أيضاً؟ فقالت لها الأم: يروقُ لكِ، ولكن لا يروق لأحد! وقبل أن يتفاقم الأمر حسم أحمد الأمر قائلا: لا تقلقي يا أمي، سأنهي الأمر _على ماذا يا أحمد؟ _على ما لا يغضبكِ يا أمي. نظرت له نهال نظراتها المعهودة التي تحمل العديد من الرسائل، وكأنها تستجدى روحه الطيبة أن تسرع بالقدوم قبل أن تحتله الروح الشريرة.. ولكن هيهات.. لقد تعالت بداخله أصوات الرغبة تطالب بالانتقام، وتوهجت جذوته، فإذا به يرفع سماعة هاتفه، ويخبر شريك والده الأستاذ مصطفى والذي صار شريكه الآن بصفته وريث والده برغبته في فض الشراكة، فوقع الخبر على رأس مصطفى كالصاعقة، لما سيترتب على ذلك من ارتباك مادي في الشركة، واستبدت به الدهشة؛ لتبدل موقف أحمد بين ليلة وضحاها، وأيقن مصطفى أن وراء الأمر سرا، فاتصل بشريكهم الثالث عادل رئيس تحرير المجلة، وطالبه بتقصي الأمر، فما كان من الأخير إلا أن بدأ تحرياته على الفور ليصل للب الموضوع فلم يجد الا الحوار الذي دار بين أحمد ورضوى، فاستدعى الأخيرة وعنفها على طريقتها مع أحمد مطالبا إياها بضرورة تقديم الاعتذار له.. فوجئت رضوى بطريقة عادل المتغيرة جذرياً معها، ولكنها تمالكت مشاعرها، وسرعان ما طلبت حضور كل مَن في المجلة بما فيهم أحمد الذى علت عينيه نظرة الانتصار التي تملكته بالرغم من شعورة بالغضب من ذلك الإحساس إلا أنه لم يستطع مقاومته كأنها الاخطبوط الذى يقفز فوق روحه، لا يستطيع أن ينتزعه، ولا يمتلك الرضا لوجوده، وتوسطتهم رضوى بمظهر القائدة المعتاد، وقدمت اعتذارا لأحمد أمامهم جميعا عن الطريقة التي تحدثت بها معه، مما جعل الجميع ينظر لأحمد نظرة استغراب، وشعر وقتها أن الأمور انقلبت فوق رأسه مجدداً، فحاول الدفاع عن نفسه، وأخبرهم أن الأمر برمته لم يكن يستحق،

ولكن رضوى أكملت حديثها منوهة أنها كانت تتعامل معه بالطريقة التي اعتادت أن تتعامل بها مع زملائها، وهذا خطؤها؛ لأنه هو ومَن معه مهندسون، ولا توجد هناك رابطة عمل بينهم، وأنه لن يكون هناك أي نوع من أنواع التعامل بينهم حتى تنتهى مهمتهم، كانت الكلمات تندفع من بين شفتيها في سرعة، وغادرتهم أيضا في سرعة البرق بعد أن شكرتهم، واعتذرت لهم عن الطريقة التي جمعتهم بها، وأحمد يتابعها في ذهول، ولا يدري ماذا يقول، أو ماذا يفعل.. ترددت في ذهنه كلمتها الأخيرة، وهتف بأعماقه: -ما معني أنه لن يكون بيننا أي تعامل؟! ودون أن يشعر وجد نفسه يبحث عنها في كل مكان، وقد تلاشت من داخله لذة الانتصار التي لم يشعر بها إلا للحظات قصيرة.. وأصبح يخاطب ذاته قائلاً: أكل مرة ألقاكِ فيها تتركينني وبحر هائج يثور بداخلي. كان لا يدري سببا لبحثه عنها، ولا ماذا سيقول لها، فقط كان يبحث عنها فحسب.. فجأة لمحها تدلف من أحد الأبواب بآخر الطرقة فاندفع وراءها، وقلبه مليء بالهياج نحوها، ولكنه فوجئ بأنها تهتف عبر الهاتف قائلة من بين دموعها: -نعم يا منال، سأطلب نقلي للفرع الآخر للمجلة، وسأتقدم باستقالتي لو لم يستجيبوا لطلبي. استرق السمع فوجدها حقاً تنهمر في البكاء بعدما كان يظن أن أذنيه خانته، معقول من يستنجد المنديل من دموعها هي رضوى، فانا أشعر أنى أود أن أربت على كتفها، وأطلب منها أن تكف عن البكاء، هل أنا مصاب بالانفصام؟ كيف تقلبت مشاعري هكذا فجأة؟ انتبهت لأحمد فوجدته يقف خلفها، فأنهت المكالمة، وهي تزيل آثار دموعها، وقالت وهى تحاول أن تتمالك أعصابها: _خيراً يا أستاذ أحمد.. هل تود اعتذارا من نوع آخر؟! _ رضوى.. هل كنتِ تبكين؟ -أنا.. لا أبداً. -لا تنكري.. أنا ليس لي ذنب فيما حدث، ولا يمكن أن تتركي المجلة و.. _لماذا؟ هل عليَّ دينٌ لا بد أن أسدده أولا؟! _لا شيء من هذا، ولكنى لا أريدكِ أن تتركي المكان الذى اعتدته، ألا ترين كيف تتحدثين؟ ستحدث لك مشاكل بسبب أسلوبكِ هذا، وكفاكِ لماضة.. _لماضة! هل تعلم لو أحد ممَن في الداخل قال لي مثل تلك الكلمات، ماذا كنت سأفعل به؟ ابتسم بهدوءٍ، وقال: _بنفسك قلتيها الآن، ممن في الداخل وليس أنا. عقب عبارتها تبادلا نظراتٍ بها الكثير من التحدي قبل أن تتركه في خطواتٍ سريعة، بينما علت شفتيه ابتسامة رضا طالما افتقدها طويلا!
…………..نهاية الجزء المجاني من الرواية…………..
التواصل مع الكاتبة بخصوص الرواية
**هبـة الحكيـم**

ختاما

إنها خيوط العنكبوت التي يحيكها المجتمع دوماً للإيقاع بالأشخاص المخالفين له فى الفكر، والذين حاولوا الخروج عن المألوف الذى حاكه هو بنفسه، إنها الأقاويل والكلمات التي تجعل من يستمع إليها يفقد توازنه نهائيا، وتتخبط عقائده وأفكاره ليصبح فريسة سهلة لأن ينجذب تلقائياً لأفكار ومعتقدات هذا الكيان المحيط به مستدعياً بذلك بعض الراحة النفسية الوهمية ليجد نفسه فى النهاية فريسة سهلة مقيدة لعنكبوت السلبية والعادات المتراكمة المهلهلة؛ لتمتص أفكاره بمنتهى السهولة تاركة إياه مجرد جثة مكبلة فاقدة القدرة على كل شيء سوى المكوث فى هذا المكان الذى كُبلت فيه، لتظهر كمجرد جسد خاوٍ تماما من القدرة حتى على الحركة منتظرة مصيرها المحتوم فى التلاشي شيئاً فشيئاً دون أن يشعر بها أحد..

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *