من أوراق كفيف ( هل أتاك حديث حسن)

من أوراق كفيف بقلم الدكتور الراحل صلاح الدين عبدالله

هل أتاك حديث حسن؟

ربما تكون قد قابلت في حياتك شخصا لم يؤت ثراء عريضا، ولا جاها في المجتمع، ولا ذكاء في العقل، ولا وسامة في الشكل، ولا قوة في الجسم، ولا حلاوة في الصوت، ولا خفة في الظل،.

تلقاه على هذه الشاكلة فتسأل نفسك ما حكمة وجوده في الحياة! وأي شيء كانت تنقص الحياة لو لم يوجد فيها! وهل تشعر به إن خرج منها الآن! دعني أمتنع عن الإجابة الآن وأكتفي بأن أعترف لك أنني سألت نفسي هذه الأسئلة حين قابلت حسن أول مرة.

لم أكن أعرف هل هو يخرج بملابسه أو ملابسه هي التي تخرج به! كان نكرة إلى الحد الذي لم يتصوره مخترعو كلمة نكرة.

وكان في لسانه لثغة فاحشة في حرف الراء، فحين تسمعه ينطقها يخيل إليك أنه لا ينطق حرفا بل يكسر في فمه خبزا يابسا.

في أول لقاء بيننا سألني بعشم لا يسمح به اللقاء الأول بين اثنين أبدا:” إلا قل لي يا عم الشيخ، هل أنت ممكن  وأنت قاعد يهفك الشوق وتقرا لنا ربع؟ أصلي أنا أعرف واحد كان كدا، كان لما يهفه الشوق يقرا ربع لوحده”.

وحين تسمع منه كلمة ربع يخيل إليك كل ربع في الدنيا إلا أرباع القرآن.

ثم لم يلبث أن قال لي في نفس المجلس بصوته الذي يشبه مص القصب الماسخ:” إنت لازم تتجوز يا عم الشيخ”،  فقلت له صدقت أحتاج إلى مبصرة تعينني على الحياة فقال مستنكرا:” يا نهار إسود إنت عايزها مفتحة!!!! بلاش يا مولانا دي ممكن تخليك فوق السرير وتخونك تحت السرير وإنت مش هاتعرف”.

ولم يخامرني شيء من الغضب لأنني وقفت على عقله وشخصيته من أول وهلة.

فقلت له بمنتهى الهدوء خلاص يا أبو علي بلاش نجيب سرير أصلا عشان ما تلاقيش شيء تخونني تحته!!!…

وكان أعجب ما سمعت منه أنه سأل أصحابنا :” إلي عايز يسافر السعودية يعمل إيه؟” فقالوا له يحتاج إلى بسبور وتذكرة وكفيل.

ولست أدري كيف تحولت كلمة كفيل في أذنيه إلى كلمة كفيف فراح يتساءل مستنكرا:” كفيف إيه ونيلة إيه إلي هانخده معانا وإحنا طالعين ناكل عيش!!!!” وبدأت الأفكار المخيفة تتداعى في رأسه على هذا النحو ” طيب هما قصدهم إيه من إن الواحد ياخد معاه كفيف؟ يمكن عايزين يرققو قلوبنا؟ وإفرض إن الواحد ما لاقاش كفيف ياخده معاه تبقا السفرية ضاعت؟ ولما أكون في الشغل مين يقعد بالكفيف؟ وبعدين كل حاجة هاتشتريها لنفسك لازم تشتري للكفيف  زيها!!”

فما زال في هذه التداعيات حتى استلقيت على الأرض تماما وضحكت ضحكا يستوجب أن تكون معي غيارات داخلية فأشرت إلى أصحابنا أن يسكتوه فلم أعد أريد منه أن يفهم بل أن يسكت وكفى.

خصوصا حين قال لي بعشم زائد “تيجي معايا يا مولانا نسلك اللقمة دي؟”

وكنا يوما في بيته فورد علينا بعض الثقلاء فأراد حسن أن يتخلص منه ويعتذر له فقال له من البلكونة :” والله ما معايا مفاتيح، مش هاقدر أفتح لك” فلما ذهب الثقيل قال لنا حسن:” إيه رأيكم أقوم أكسر المفاتيح إلي معانا عشان لو أخينا رجع تاني فقال له أصحابنا في نفس واحد: يا ابن الجزمة، لما تكسر المفاتيح إحنا هانخرج إزاي!!!!”

وكان يطيب لي أن أداعبه من حين إلى حين، فقلت له ذات يوم: يا حسن، أنا ناوي أقرا في المياتم، ومحتاج مساعد حرك ومدقدق زيك، إيه رأيك تيجي تشتغل معاي؟ فقال لي بصوت متهلل:” يا سلام يا مولانا، دا أنا أخدمك بعنية الاتنين، لعلمك أنا أعرف ناس بيموت ليهم ناس، يعني ممكن أخدك عند التاجر من دول وأوشوشه وأقول له يا حج عبده، الراجل دا غلبان وبيصرف على  أمه العيانة وإخواته التسعة، بس أهم حاجة تجيب لي بطايق إخواتك التسعة وورق أمك العيانة!!!!!”.

وأذكر أنني زرته يوما في بيته، وكانوا يستعدون للعشاء، فسمعت أباه يقول لزوجته سخني السبانخ، فلما أتوا بها قلت لهم ريحة السبانخ دي حلوة، فتهلل حسن قائلا: الله أكبر عرف مولانا إن بيتنا فيه سبانخ من غير ما يشوف.

وفي تلك السهرة سمعته يقول لأبيه : أنا ناوي أشتغل جزار في العيد الكبير، فسأله أبوه: أنت بتعرف تسلخ؟ فقال له حسن: أنا هادبح الدبيحة وأسيبها للزبون يسلخها بمعرفته!!!!.

وكان حرصه على كسب لقمة العيش يدفعه إلى بيع سلع متناقضة ولو في أيام متتابعة، فمما أذكره أنني رأيته يبيع يوم السبت أم علي مجففة وفي يوم الأحد الذي يليه تماما رأيته يبيع شباشب!!!!.

ليس هذا هو كل ما أعرفه عن حسن بل أعرف عنه شيءا آخر ربما كان هو الإجابة على السؤال الذي طرحناه في مستهل هذا الحديث، هذا الشيء هو أنه الوحيد الذي قبل أن يتزوج بنت خالته الأرملة التي لها خمسة أطفال فبقي معها يربيهم وهو عظيم الصبر واسع الصدر يقوم من بيتها مقام الباب، ومن فراشها مقام الغطاء، ومن أطفالها مقام الأب،

كأن هذه هي حكمة وجوده في الحياة، يعجز عما يقدر عليه غيره، ويقدر على ما يعجز عنه غيره.

وكأن تساند المستضعفين يستطيع أن يخلق فيهم جميعا معنى من معاني القوة لم يكن ليوجد في كل منهم على حدة.

ولعل أعظم درس أستطيع أن أتعلمه من حسن وأمثاله أن الحياة تتسع لضعف الضعفاء بنفس القدر الذي تتسع به لقوة الأقوياء، فحياة الضعيف ليست منحة من القوي بل إن حياة الضعفاء والأقوياء جميعا هي منحة من واهب الحياة فأجسامنا، ومنازلنا، وشوارعنا، محتاجة إلى من يسلك المجاري حاجة عقولنا إلى رواد الفضاء والفلاسفة.

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *